منير سلطان

209

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

ثم أنّ ذلك عنده لم يشفع بتحليلات عبد القاهر والزمخشري التي كانت تملأ نفوسنا إعجابا « فقد تحولت البلاغة في تلخيصه إلى علم بأدق المعاني لكلمة علم فهي قوانين وقواعد تخلو من كل ما يمتع النفس إذ سلّط عليها المنطق بأصوله ومناهجه الحادة ، حتى في لفظها وأسلوبها الذي لا يحوى أي جمال » « 1 » . السكاكى ومحاولة مع الذوق : قلنا أن السكاكى وضع حدودا فاصلة وحصر البلاغة في علمي المعاني والبيان فقط ، ثم مضى في أثر الفخر الرازي ، يجعل للبلاغة حدا أعلى وما يقرب منه ، وحدا أسفل وبينهما مراتب كثيرة تتفاوت بتفاوت البلغاء ، أما الطرف الأعلى وما يقرب منه فهو حد الإعجاز القرآني ، وينوه بالذوق ، وأن الإعجاز لا يدرك إلّا به يقول « اعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفهما ، وكالملاحة ومدرك الاعجاز عندي هو الذوق « 2 » . ولا يلبث أن يقول « أنّ علمي المعاني والبيان هما الوسيلة لاكتساب الذوق الذي تدرك به مواطن الجمال البلاغي ، على أنهما لا يكشفان كشفا تاما على وجه الاعجاز لتعذر الإحاطة بكل أسرار القرآن البلاغة « 3 » . وحقا استطاع السكاكى أن يسوى من نظرات عبد القاهر والزمخشري علمي المعاني والبيان ولكن بعد أن أخلاهما من تحليلاتهما الممتعة البارعة للنصوص الأدبية ، وبعد أن سوى قواعدهما تسوية منطقية عويصة ، حتى ليصبح المنطق وأيضا الفلسفة جزءا منهما لا يتجزأ وحتى ليحتاج كتابه في هذا القسم إلى الشرح تلو الشرح » « 4 » . وبعد ، فها نحن هؤلاء ما زلنا في دائرة الجرجاني والزمخشري ، ومهما تقدمنا في الدرس فلن يجدينا شيئا . فسنجد أنفسنا قد دخلنا أدغال الشروح والتلخيصات والتهميشات وهلم جرا .

--> ( 1 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 288 . ( 2 ) السكاكى - المفتاح - 221 . ( 3 ) نفس المصدر والمرجع . ( 4 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 313 .